كتاب الله
إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}..
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس
واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما
رجالاً كثيراً ونساء
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}..
يا أيها الذين آمنوا
اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.. وبعد،،،
فهذه الرسالة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في مبناها ومعناها ستتناول أمور
هامة لمن أراد أن يعى كلام الله ويتقرب به إليه سبحانه. تشتمل عل مجموعة من
الأبواب فى معنى القرآن وفضله وآدابه ووسائل حفظه وإتقانه.
والله الموفق والهادي
إلى سواء السبيل
وصلى الله وسلم على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه
أحمد رمضان العلقامى
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
التعريف بالقرآن
الكريم:
القرآن الكريم هو: (كلام الله المعجز،
المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين، بواسطة جبريل عليه السلام، المكتوب في
المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة،
المختتم بسورة الناس).
وهذا التعريف متفق عليه بين العلماء،
أنزله الله تبارك وتعالى ليكون دستوراً للأمة، وهداية للخلق، وليكون آية على صدق
الرسول، وبرهاناً ساطعاً على نبوته ورسالته، وحجة قائمة إلى يوم الدين، تشهد بأنه
تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة التي تتحدى الأجيال والأمم على كر
الزمان، ومرّ الدهور.
القرآن تنزيل رب العالمين، )قُلْ
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا
الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا((الإسراء:
88.).
القرآن الكريم رباط بين السماء والأرض،
وعهد بين الله وبين عباده، وهو منهاج الله الخالد، وميثاق السماء الصالح لكل زمان
ومكان، وهو أشرف الكتب السماوية، وأعظم وحي نزل من السماء، لا يدانيه كلام، وحديث
لا يشابهه حديث قال تعالى: )وَمَنْ
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا((النساء: 87)
ولقد رفع الله شأن القرآن ونوه بعلو
منزلته فقال تعالى:
)تَنْزِيلاً
مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا(.
والاشتغال
بالقرآن الكريم من أفضل العبادات، سواء أكان بتلاوته، أم بتدبر معانيه، فهو أساس
الدين، وقد أودع الله فيه علم كل شيء، فإنه يتضمن: الأحكام والشرائع، والأمثال،
والحكم، والمواعظ، والتاريخ، ونظام الكون، فما ترك شيئاً من أمور الدين إلا
بيَّنه، ولا من نظام الكون إلا أوضحه.
فضل تلاوة القرآن
الكريم:
إن
من أفضل العبادات وأجل الطاعات، وأحسن القربات إلى الله تعالى تلاوة القرآن
الكريم، فقد حث الله سبحانه وتعالى، ورسوله الكريم عليها.
قال
تعالى: )إِنَّ
الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ *
لِيُوَفِّيَهمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ((فاطر،:
29-30).
وقال
تعالى: )فَاقْرَؤوا
مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ..(
(المزمل: 20).
وكان
شعار نبينا محمد وحاله دائماً الإقامة على
تلاوة القرآن كما قال تعالى: )إِنَّمَا
أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ
شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *
وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ((النمل:
91-92).
وعن
عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (من قرأ حرفاً من كتاب الله
فله به حسنة،والحسنة بعشر أمثالها،لا أقول }الم
{
حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
وعن
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (الماهر بالقرآن مع السفرة
الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران).
وفي
رواية: (والذي يقرأ وهو يشتد عليه له أجران).
وعن
أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن
مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة،
لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب
وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح، وطعمها مر.
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله يقول: (اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه
…).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي :
(يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول:
يا رب حلِّه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، يقول: يا
ربِّ ارض عنه، فيقال: اقرأ وارق، ويزاد بكل آية حسنة).
وعن
أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال:
(لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمّه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار،
فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه
الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل
ما يعمل).
عن
عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي قال:
(خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه).
وعن
عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: (إنَّ أفضلكم من تعلّم القرآن
وعلّمه).
وعن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله : (وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم،
إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة،
وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).
وعن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله:
(إنّ لله أهلين من الناس، قالوا: يا
رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن
النبي قال:
(إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً
ويضع به آخرين).
فضل تحسين الصوت
بالقرآن الكريم:
عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به
النبي قال: (ما أذن الله لشيء، ما أذن
لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن).
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال،
قال رسول الله: (لو رأيتني وأنا استمع لقراءتك البارحة! لقد أوتيت مزماراً من
مزامير آل داود).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:
قال رسول الله: (زينوا القرآن بأصواتكم).
وعن سعد بن أبي وقاص، أو سعيد بن أبي
سعيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (ليس منّا من لم يتغن بالقرآن).
آداب قارئ القرآن :
وهذه
الآداب منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب بالنص، ومنها ما هو مرغب فيه عند بعض
العلماء وليس فيه نص..
أولاً: آداب
قلبية:
1 – أن يخلص لله في قراءته بأن يقصد بها
رضى الله وثوابه ويستحضر عظمة منزل القرآن في القلب وأن يتنبه إلى أن ما يقرؤه ليس
من كلام البشر وأن لا يطلب بالقرآن شرف المنزلة عند أبناء الدنيا.
2 – أن يحضر القلب ويطرد حديث النفس
أثناء التلاوة ويصون يديه عن العبث وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة.
3 – التدبر ومحاولة استيعاب المعنى
لأنها أوامر رب العالمين التي يجب أن ينشط العبد إلى تنفيذها بعد فهمها وتدبرها.
4 – أن يتفاعل قلبه مع كل آية بما يليق
بها فيتأمل في معاني أسماء الله وصفاته حسب فهم السلف ويتأسى بأحوال الأنبياء
والصالحين ويعتبر بأحوال المكذبين وهكذا.
5 – أن يستشعر القارئ بأن كل خطاب في
القرآن موجه إليه شخصياً.
6 – التأثر فيتجاوب مع كل آية يتلوها
فعند الوعيد يتضاءل خيفة، وعند الوعد يستبشر فرحاً وعند ذكر الله وصفاته وأسماءه
يتطأطأ خضوعاً وعند ذكر الكفار وقلة أدبهم ودعاويهم يخفض صوته وينكسر في باطنه
حياء من قبح مقالتهم ويشتاق للجنة عند وصفها ويرتعد من النار عند ذكرها.
7 – أن يتبرأ من حوله وقوته إذ لا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويتحاشى النظر إلى نفسه بعين الرضا والتزكية.
8 – تحاشي موانع الفهم مثل أن يصرف همه
كله إلى تجويد الحروف وغير ذلك ويجب عليه أيضاً حصر معاني آيات القرآن فيما تلقنه
من تفسير.
9 – سؤال الله الرحمة إذا مر بآية رحمة
والاستعاذة إذا مر بآية عذاب.
ثانياً:
آداب ظاهرية:
1 – يستحب أن يتطهر ويتوضأ قبل القراءة
لما روى ابن عمر { قال: قال رسول الله: «لا يمس القرآن إلا طاهر» [صحيح الجامع
7657].
2 – أن يستاك فيطيب فمه لأنه طريق
القرآن.
3 – الأفضل أن يستقبل القبلة عند قراءته
لأنها أشرف الجهات.
4 – أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم
ويقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إذا بدأ من أول السورة.
5 – أن يتعاهد القراءة بالمواظبة على
قراءته وعدم تعريضه للنسيان وينبغي أن لا يمضي عليه يوم إلا ويقرأ فيه شيئاً من
القرآن حتى لا ينساه ولا يهجر المصحف.
6 – عدم قطع القراءة بكلام لا فائدة
فيه.
7 – أن يحسن صوته بالقرآن ما استطاع «زينوا
القرآن بأصواتكم؛ فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسناً» [رواه أحمد وأبو داود وابن
ماجة وصححه الألباني في صحيح الجامع 3580].
كما
أنه يستحب له ترتيل القرآن وعدم الإسراع لغير غرض شرعي.
8 – أن يحترم المصحف فلا يضعه في الأرض
ولا يضع فوقه شيئاً ولا يرمي به لصاحبه إذا أراد أن يناوله إياه ولا يمسه إلا وهو
طاهر.
9 – اختيار المكان المناسب مثل المسجد
أو مكاناً في بيته بعيداً عن الموانع والشواغل والتشويش أو حديقة أو غير ذلك.
10– اختيار الوقت المناسب والذي يتجلى
الله فيه على عباده وتتنزل فيه فيوضات رحمته وأفضل الأوقات الثلث الأخير من الليل
وقراءة الفجر.
11– البكاء أثناء التلاوة وبخاصة عند
قراءة آيات العذاب أو المرور بمشاهده وذلك عندما يستحضر مشاهد القيامة وأحداث
الآخرة ومظاهر الهول فيها ثم يلاحظ تقصيره وتفريطه، فإذا لم يستطع البكاء فليحاول
التباكي، والتباكي هو استجلاب البكاء فإن عجز عن البكاء والتباكي فليحاول أن يبكي
على نفسه هو وعلى قلبه وروحه لكونه محروماً من هذه النعم الربانية مريضاً بقسوة
القلب وجحود العين، اللهم إنا نعوذ بك من عين لا تدمع وقلب لا يخشع.
12– على المستمع للقرآن أن يتأدب بالآداب السابقة كلها
ويزيد عليها حسن السماع وحسن الإنصات والتدبر وحسن التلقي وأن لا يفتح أذنيه فقط
بل كل مشاعره وأحاسيسه.
من
عوائق الحفظ :
هناك
بعض الأسباب التي تمنع الحفظ وتؤدي إلى نسيان القرآن الكريم ولابد لمن أراد أن
يحفظ القرآن الكريم أن ينتبه لها وأن يتجنبها.. ونذكر أهمها وهي:
1 – كثرة الذنوب والمعاصي فإنها تُنسي
العبد القرآن وتُنسيه نفسه وتعمي قلبه عن ذكر الله وتلاوة وحفظ القرآن الكريم.
2 – عدم المتابعة والمراجعة الدائمة
والتسميع لما حفظه من القرآن الكريم.
3 – الاهتمام الزائد بأمور الدنيا يجعل
القلب معلق بها وبالتالي لا يستطيع أن يحفظ بسهولة.
4
– حفظ آيات كثيرة في وقت قصير والانتقال إلى غيرها قبيل إتقانها.
قواعد في تدبر القرآن الكريم :
أولاً: وجوب تعلم
لغة العرب:
انه
يجب معرفة كلام العرب في معاني مفرداتها، وقواعدهم، وأساليبهم في البيان، وهذا ما تتضمنه اليوم معاجم
اللغة، وعلم النحو والصرف، وعلم البلاغة.
فيجب
علي المسلم المريد تدبر القرآن أن يكون على قدر من هذه العلوم، وإلا جهل الأساس الذي يفهم به القرآن..
ثانياً: دراسة
سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم:
دراسة
سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة أخلاقه وشمائله والإلمام بأقواله وأفعاله وذلك أن الرسول فسر القرآن
بقوله، وأقامه بعمله وخلقه صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: أخذ بيان
النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن:
معرفة
السنن القولية والعملية التي بَيَّنَ الرسول صلى الله عليه وسلم بها الكتاب فإن القرآن قد جعل الله بيانه
لرسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر
لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}..
فالطهارة
والصلاة والصوم، والزكاة، والحج، وسائر العبادات المأمور بها في القرآن لا يمكن معرفة أحكامها وحدودها إلا ببيان
الرسول صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: معرفة
أسباب النزول:
معرفة
أسباب النزول وذلك
أن القرآن نزل منجماً بحسب الوقائع
والأحداث، فجاء بعضه إجابة عن سؤال، أو رداً لشبهة قيلت، كما قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق، وأحسن
تفسيراً} وجاء كذلك بياناً وتعليقاً على وقائع..
خامساً: الإكثار
من النظر في كتب التفاسير:
ففهم
آيات القرآن وفق تفسير السلف الصالح من الصحابة والتابعين لا محيد عنه، لمن أراد
أن يفهم عن الله سبحانه وتعالى فإن هؤلاء عاصروا التنزيل، وكانوا أعلم الناس بكلام
العرب، وشاهدوا كيفية تطبيق القرآن.
سادساً: دراسة
تفاسير أهل العلم:
الإكثار
من النظر والقراءة في تفسير أهل العلم من العلماء، والمفسرين الذين فهموا
القرآن وفق الأصول السابقة، وآتاهم الله فهماً في القرآن فإن القرآن لا تزال عجائبه،
وإن الفهم فيه يظل أبداً ما دام القرآن في الأرض.
سابعاً: العكوف
عليه والانقطاع إليه للنظر والتأمل والتفكر والتدبر:
العكوف
على القرآن، والقيام به آناء الليل وأطراف النهار، والتفكر في آياته، وتدبر معانيه {قل إنما أعظكم بواحدة أن
تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}
فإذا
جلس الإنسان وحده وتفكر في آيات الله انفتح له فيها باب عظيم للفهم والعلم واليقين.
ثامناً: إثارة
القرآن:
مدارسة
القرآن، وذلك أن القرآن كالمسك المختوم إذا أثرته ونَقَّبْتَ فيه فاح عطره، وانتشر شذاه ولذلك كان السلف
يوصون قائلين: "أثيروا القرآن" وإثارته هو بالإجتماع
عليه وتشقيق السؤال حول آياته، ومدارسته.
تاسعاً: إنزال
القرآن على الواقع:
القرآن
قول متجدد لا تزال تتحقق آياته كل يوم لأنه ليس وصفاً لحدث مضى وانتهى وإنما هو حكم الله على الناس والأحداث..
وهكذا
لا يفهم القرآن حياً غضاً طرياً، إلا من أنزله على الواقع المعاصر فعرف كفار زمانه، وفراعنة أقوامه، وأهل
النفاق في بلده، وأهل الإيمان الذين هم أهله حقاً وصدقاً..
عاشراً: أخذ
القرآن للعلم والعمل:
لا
تخالط بشاشة القرآن القلب إلا من أخذه للعلم والعمل، وهذا هو الإيمان وأما من أخذه للعلم فقط دون العمل فإنه يوفق إلى
الإيمان بل يكون حجة عليه، ويغلق قلبه دونه عياذاً
بالله. فكم ممن قرؤا القرآن ودرسوه وحفظوه، ولم تخالط بشاشة الإيمان به قلوبهم، ولا رفعوا رأساً به، وهؤلاء
يكون القرآن حجة عليهم لا لهم، كما قال صلى الله
عليه وسلم: [والقرآن حجة لك أو عليك] (رواه مسلم)
كم
من أوعية حفظت القرآن ولم تهتد به عياذاً بالله، وكم من منافقين وكفار علموا آياته وكذبوا بها {وننزل من القرآن ما
هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا
خساراً}.
قواعد في حفظ
القرآن الكريم:
القاعدة الأولى:
الإخلاص:
وجوب
إخلاص النية، وإصلاح القصد، وجعل حفظ القرآن والعناية به من أجل الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته وحصول
مرضاته، ونيل تلك الجوائز العظيمة لمن قرأ القرآن وحفظه،
قال تعالى: {فاعبد الله مخلصاً له الدين، ألا لله الدين الخالص}. وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله
مخلصاً له الدين}.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[قال الله تعالى "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه} (رواه مسلم)
فلا
أجر ولا ثواب لمن قرأ القرآن وحفظه رياء أو سمعة، ولا شك أن من قرأ القرآن مريداً الدنيا طالباً به الأجر الدنيوي
فهو آثم.
القاعدة الثانية:
تصحيح النطق والقراءة:
أول
خطوة في طريق الحفظ بعد الإخلاص هو وجوب تصحيح النطق بالقرآن، ولا يكون ذلك إلا بالسماع من قارئ مجيد أو حافظ متقن،
والقرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي، فقد أخذه الرسول صلى الله عليه
وسلم وهو أفصح العرب لساناً من جبريل شفاهاً، وكان الرسول نفسه
يعرض القرآن على جبريل كل سنة مرة واحدة في رمضان، وعرضه في العام الذي توفي فيه عرضتين. (متفق عليه)
وكذلك
علمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه شفاهاً وسمعه منهم بعد أخذ القرآن مشافهة من قارئ مجيد، وتصحيح القراءة
أولاً بأول، وعدم الاعتماد على النفس في قراءة القرآن
حتى لو كان الشخص ملماً بالعربية وعليماً بقواعدها، وذلك إن في القرآن آيات كثيرة قد تأتي على خلاف المشهور من
قواعد العربية.
القاعدة الثالثة:
تحديد نسبة الحفظ كل يوم:
على
مريد حفظ القرآن أن يحدد قدراً يستطيع حفظه في اليوم، إما عدداً من الآيات مثلاً،
أو صفحة أو صفحتين من المصحف، وإما ثُمناً من الجزء وهكذا، ثم يبدأ بعد تحديد
مقدار حفظه تصحيح قراءته بالتكرار والترداد حتى يحفظ مقدار ما حدده.
القاعدة الرابعة:
لا تجاوز مقررك اليومي حتى تجيد حفظه تماماً:
على
من يريد الحفظ أن لا ينتقل إلى مقرر جديد في الحفظ إلا بعد حفظ المقرر السابق وذلك
ليثبت ما حفظه تماماً في الذهن.
القاعدة الخامسة:
حافظ على رسم واحد لمصحف حفظك:
مما
يعين تماماً على الحفظ أن يجعل الحافظ لنفسه مصحفاً خاصاً لا يغيره مطلقاً، وذلك
لأن صور الآيات ومواضعها في المصحف تنطبع في الذهن مع كثرة القراءة والنظر في
المصحف.
القاعدة السادسة:
الفهم طريق الحفظ:
من
أعظم ما يعين على الحفظ فهم الآيات المحفوظة ومعرفة وجه ارتباط بعضها ببعض، فعلى
الحافظ أن يقرأ تفسيراً للآيات التي لا يستطيع حفظها وأن يعلم وجه ارتباط بعضها
ببعض، وأن يكون حاضر الذهن عند القراءة وذلك ليسهل عليه استذكار الآيات.
القاعدة السابعة:
لا تجاوز سورة حتى تربط أولها بآخرها:
ينبغي
للحافظ أن لا ينتقل إلى سورة أخرى إلا بعد إتمام حفظ السورة السابقة تماماً، وربط
أولها بآخرها وأن يجري لسانه بها بسهولة ويسر ودون إعنات فكر وكد في تذكر الآيات،
ومتابعة القراءة.
القاعدة الثامنة:
التسميع الدائم:
يجب
على الحافظ ألا يعتمد على حفظه بمفرده، بل يجب أن يعرض حفظه دائماً على حافظ آخر، أو متابع في المصحف، حبذا لو كان
هذا مع حافظ متقن، وذلك حتى ينبه الحافظ بما يمكن
أن يدخل في القراءة من خطأ، وما يمكن أن يكون مريد الحفظ قد نسيه من القراءة وردده دون وعي، فكثير ما يحفظ الفرد منا
السورة خطأ، ولا ينتبه لذلك حتى مع النظر في
المصحف لأن القراءة كثيراً ما تسبق النظر، فينظر مريد الحفظ المصحف ولا يرى بنفسه موضع الخطأ من قراءته، ولذلك
فيكون تسميعه القرآن لغيره وسيلة لاستدراك هذه الأخطاء،
وتنبيهاً دائماً لذهنه وحفظه.
القاعدة التاسعة:
المتابعة الدائمة:
يختلف
القرآن في الحفظ عن أي محفوظ آخر من الشعر أو النثر، وذلك لأن القرآن سريع الهروب
من الذهن بل قال الرسول: «والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها»
[متفق عليه].
القاعدة العاشرة:
العناية بالمتشابهات:
القرآن
متشابه في معانيه وألفاظه وآياته. قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود
الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر
الله}.
وإذا
كان القرآن فيه نحواً من ستة آلاف آية ونيف فإن هناك نحواً من ألفي آية فيها تشابه بوجه ما قد يصل أحياناً حد
التطابق أو الاختلاف في حرف واحد، أو كلمة واحدة
أو اثنتين أو أكثر.
لذلك
يجب على قارئ القرآن المجيد أن يعتني عناية خاصة بالمتشابهات من الآيات، ونعني بالتشابه هنا التشابه اللفظي،
وعلى مدى العناية بهذا المتشابه تكون إجادة الحفظ،
ويمكن الاستعانة على ذلك بكثرة الاطلاع في الكتب التي اهتمت بهذا النوع من الآيات المتشابهة .
القاعدة الحادية
عشر: اغتنم سني الحفظ الذهبية:
الموفق
حتماً من اغتنم سنوات الحفظ الذهبية من سن الخامسة إلى الثالثة والعشرين تقريباً فالإنسان في هذه السن تكون
حافظته جيدة جداً بل هي سنوات الحفظ الذهبية فدون
الخامسة يكون الإنسان دون ذلك وبعد الثالثة والعشرون تقريباً يبدأ الخط البياني للحفظ بالهبوط ويبدأ خط الفهم
والاستيعاب في الصعود، وعلى الإنسان أن يستغل سنوات
الحفظ الذهبية في حفظ كتاب الله أو ما استطاع من ذلك. والحفظ في هذا السن يكون سريعاً جداً، والنسيان يكون بطيئاً
جداً بعكس ما وراء ذلك حيث يحفظ الإنسان ببطء
وصعوبة، وينسى بسرعة كبيرة ولذلك صدق من قال: "الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، والحفظ في الكبر كالنقش على
الماء"..
فعلينا
أن نغتنم سنوات الحفظ الذهبية، إن لم يكن في أنفسنا ففي أبنائنا وبناتنا.
تعليقات
إرسال تعليق